أبو حامد الغزالي

202

تهافت الفلاسفة

« أولا » ، وألا فهذه الحوادث ، ليست لها أسباب حادثة إلى غير نهاية ، بل تنتهى بوساطة الحركة الدورية ، إلى شئ قديم ، هو نفس الفلك وحياته ، فالنفس الفلكية قديمة ، والحركة الدورية تحدث منها ، وكل جزء من أجزاء الحركة ، يحدث ، وينقضى ، وما بعده متجدد لا محالة ، فإذن الحوادث صادرة من القديم عندكم ، ولكن إذا تشابهت أحوال القديم ، تشابه فيضان الحوادث منه على الدوام ، كما تشابهت أحوال الحركة ، لما أن كانت تصدر من قديم متشابه الأحوال . فاستبان أن كل فريق منهم ، معترف بأنه يجوز صدور الحوادث من قديم ، إذا كانت تصدر على التناسب والدوام ، فلتكن العلوم الحادثة من هذا القبيل ، وأما القسم الثاني ، وهو صدور هذا العلم فيه من غيره ، فنقول : ولم يستحيل ذلك عندكم ؟ ! ، وليس فيه إلا ثلاثة أمور : ( ا ) أحدها ، التغير ، وقد بيّنا لزومه على أصلكم . ( ب ) والثاني كون الغير سببا لتغير الغير ، وهو ليس بمحال عندكم ، فليكن حدوث الشئ سببا ، لحدوث العلم به ؛ كما أنكم تقولون : تمثل الشخص المتلون ، بإزاء الحدقة الباصرة ، سبب لا نطباع مثال الشخص ، في الطبقة الجليدية من الحدقة ، عند توسط الهواء المشف ، بين الحدقة والمبصر . فإذا جاز أن يكون ، جماد سببا لا نطباع الصورة في الحدقة ، وهو معنى الإبصار ، فلم يستحيل أن يكون ، حدوث الحوادث ، سببا لحصول علم الأول بها ، فإن القوة الباصرة ، كما أنها مستعدة للإدراك ، ويكون حصول الشخص المتلون ، مع ارتفاع الحواجز ، سببا لحصول الإدراك ، فلتكن ذات المبدأ الأول ، عندكم مستعدة لقبول العلم ، ويخرج من القوة إلى الفعل ، بوجود ذلك الحادث ، فإن كان فيه تغير القديم ، فالقديم المتغير عندكم غير مستحيل ، وإن زعمتم أن ذلك يستحيل في واجب الوجود ، فليس لكم على إثبات واجب الوجود ، دليل ، إلا قطع سلسلة العلل والمعلولات ، كما سبق ، وقد بينا أن قطع التسلسل ممكن ، بقديم متغير .